سيد قطب
3420
في ظلال القرآن
وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين : عثمان بن مظعون وأصحابه . وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم ، وصلوا مع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفه ، وحدثوا أن المسلمين قد أمنوا بمكة ، فأقبلوا سراعا ، وقد نسخ اللّه ما ألقى الشيطان ، وأحكم اللّه آياته ، وحفظه من الفرية . وقال : « وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ . . . إلخ » . . فلما بين اللّه قضاءه وبرأه من سجع الشيطان ، انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم على المسلمين ، واشتدوا عليهم » . . انتهى وهناك روايات أخرى أجرأ على الافتراء تنسب قولة الغرانيق . . تلك . . إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وتعلل هذا برغبته - حاشاه صلى اللّه عليه وسلم - في مراضاة قريش ومهادنتها ! ! ! وقد رفضت منذ الوهلة الأولى تلك الروايات جميعا . . فهي فضلا عن مجافاتها لعصمة النبوة وحفظ الذكر من العبث والتحريف ، فإن سياق السورة ذاته ينفيها نفيا قاطعا . إذ أنه يتصدى لتوهين عقيدة المشركين في هذه الآلهة وأساطيرهم حولها . فلا مجال لإدخال هاتين العبارتين في سياق السورة بحال . حتى على قول من قال : إن الشيطان ألقى بهما في أسماع المشركين دون المسلمين . فهؤلاء المشركون كانوا عربا يتذوقون لغتهم . وحين يسمعون هاتين العبارتين المقحمتين ويسمعون بعدهما : « أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ؟ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى . إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ، ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ . . إلخ » . ويسمعون بعد ذلك : « إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ . إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً » . . ويسمعون قبله : « وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى » . . حين يسمعون هذا السياق كله فإنهم لا يسجدون مع الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - لأن الكلام لا يستقيم . والثناء على آلهتهم وتقرير أن لها شفاعة ترتجى لا يستقيم . وهم لم يكونوا أغبياء كغباء الذين افتروا هذه الروايات ، التي تلقفها منهم المستشرقون مغرضين أو جاهلين ! لغير هذا السبب إذن سجد المشركون . ولغير هذا السبب عاد المهاجرون من الحبشة ثم عادوا إليها بعد حين مع آخرين . وليس هنا مجال تحقيق سبب عودة المهاجرين ، ثم عودتهم إلى الحبشة مع آخرين . . فأما أمر السجود فهو الذي نتصدى له في هذه المناسبة . . لقد بقيت فترة أبحث عن السبب الممكن لهذا السجود . ويخطر لي احتمال أنه لم يقع ؛ وإنما هي رواية ذكرت لتعليل عودة المهاجرين من الحبشة بعد نحو شهرين أو ثلاثة . وهو أمر يحتاج إلى التعليل . وبينما أنا كذلك وقعت لي تلك التجربة الشعورية الخاصة التي أشرت إليها من قبل . . كنت بين رفقة نسمر حينما طرق أسماعنا صوت قارئ للقرآن من قريب ، يتلو سورة النجم . فانقطع بيننا الحديث ، لنستمع وننصت للقرآن الكريم . وكان صوت القارئ مؤثرا وهو يرتل القرآن ترتيلا حسنا . وشيئا فشيئا عشت معه فيما يتلوه . عشت مع قلب محمد - صلى اللّه عليه وسلم - في رحلته إلى الملأ الأعلى . عشت معه وهو يشهد جبريل - عليه السلام - في صورته الملائكية التي خلقه اللّه عليها . ذلك الحادث العجيب المدهش حين يتدبره الإنسان ويحاول تخيله ! وعشت معه وهو في رحلته العلوية الطليقة . عند سدرة المنتهى . وجنة المأوى . عشت معه بقدر ما يسعفني خيالي ، وتحلق بي رؤاي ، وبقدر ما تطيق مشاعري وأحاسيسي . .